أنت تستمتع براديو مدينة البط

أنت تستمتع براديو مدينة البط

الخميس، نوفمبر 1

تهافت التهافت* (رداً على بيان الاخوان المسلمين)



خرجت علينا جماعة الاخوان المسلمين أمس 31 أكتوبر ببيان هام حول الشريعة الإسلامية وهوية الأمة, استهلت مطلعه بحصر سعادة الإنسان في إقامة تعاليم الإسلام وفقاً لرؤيتهم الخاصة وأيديولوجيتهم الاقصائية, وقررت في فقرته الثانية أن الشريعة الإسلامية أهم مكونات الشخصية المصرية متجاهلة سائر المكونات التاريخية والمؤثرات الثقافية الأخرى, وفي فقرته الثالثة حاولت تعريف مفهوم الشريعة الاسلامية ببعض العبارات المطاطة حول علاقة مثلث الفرد والمجتمع والحكم, في الوقت الذي كان فيه أحد وزرائها الأجلاء يغلق سماعة الهاتف في وجه وسيلة إعلام مرئية !
وبعد تلك المقدمة الطويلة للبيان يدخل تدريجيا في صلب الموضوع, فجماعة الاخوان المسلمين ترى أن المجتمع يجب أن تتم "تهيئته" لاستقبال فيوضات الشريعة الاسلامية وهي نسبية باختلاف الفقهاء في رؤاهم, رغم أنها في فقرة تالية تترك للمجتمع الحرية في اختيار ما يحب أيا كان! في ربط ساذج بين النسبي والمطلق .
يستطرد البيان بعد ذلك في الدفاع عن الهدف المقدس لجماعة الإخوان المسلمين, ألا وهو حرمان الشواذ من أي ممارسات غير مشروعة!
نعم, للأسف بعد هذه المقدمة الطويلة العصماء عن أثر الشريعة الإسلامية في تحقيق الخير لبني الإنسان, وبدلاً من أن يكون الهدف التطبيقي لتلك الشريعة في منظورهم هو القضاء على الإستغلال, أو تقليص المساحة الشاسعة للفقر, أو السيطرة على المعدلات المرتفعة للجريمة بخفض الاحتياج المادي, أو دعم الأسر المحرومة من أدنى وسائل العيش, أو أو أو ..
بدلاً من كل ذلك تعتبر جماعة الاخوان المسلمين أن المواثيق الدولية تحاول تقنين الشذوذ أو العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج الشرعي, في الوقت الذي لا تعتبر الجماعة مواثيق دولية أخرى مثل كامب ديفيد تخالف مبادئ الشريعة الإسلامية السمحة!


هوية الجياع

يقول محمد الجواهري:
نامي جياعَ الشَّعْبِ نامي حَرَسَتْكِ آلِهة الطَّعامِ
نامي على تلك العِظَاتِ الغُرِّ من ذاك الإمامِ
يُوصِيكِ أن لا تطعمي من مالِ رَبِّكِ في حُطَامِ
يُوصِيكِ أنْ تَدَعي المباهِجَ واللذائذَ لِلئامِ
وتُعَوِّضِي عن كلِّ ذلكَ بالسجودِ وبالقيامِ
لقد عميت جماعة الإخوان المسلمين (بدءاً بمرشدها وانتهاءً بأصغر اعضاءها مرورا برئيس الجمهورية) عن إدارك حقيقة الهوية المصرية الحقيقية, وما تواجهه من طمس تحت وطأة الجوع والفقر والحاجة, و انهيار الصناعة وتشرذم الزراعة وفشل ذريع حتى في أن تصبح مصر محطة تجارية.
ورغم أن الإخوان المسلمين هم أدرى الناس بفقه الأولويات, إلا أن مهمة إطعام ملايين الفقراء وتسكينهم وكساءهم لا توجد إلا على الجدول الانتخابي للجماعة, أما في الدستور, فالأولى هو النص السحري الذي سيضمن للجماعة البقاء الأبدي على صدر الشعب. سواء بالمجموعة التجارية لرجل الأعمال خيرت الشاطر أو بالمجموعة السياسية بقيادة الكتاتني.
في الحقيقة أفتقد بشدة تلك الحماسة الإخوانية عندما تُطرح مواضع حقيقية ذات ثقل حقيقي في شق السلام الاجتماعي الذي تحدّث عنه البيان, أفتقد حماستهم تلك في أي نص دستوري يشرط على السلطة التنفيذية عدم التوقيع على اتفاقيات خارجية تضر بالاقتصاد أو الكرامة المصرية, بل ومراجعة الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها مسبقا. كما أفتقد حماسة البيان العظيمة عندما تطرح قضايا الحريات أو قضايا المرأة أو قضايا الأقليات الدينية واللادينية في مصر.
ولم يطرح الاخوان أبداً أي نص دستوري يحمي الصناعة في مصر, أو أي نص دستوري يحمي المواطن من ظلم توزيع الثورة ناهيك عن ظلم العملية الإنتاجية نفسها.



الحزب "ولّا" الجماعة

الإخوان المسلمون يقومون بلعبة خطيرة يدغدغون بها الجماعات السلفية في رسالة مطمئنة لهم, فذلك البيان لم يخرج عن حزب الحرية والعدالة (الجناح السياسي للجماعة) كي لا يؤخذ عليه انحيازه الديني. في الوقت الذي يحتاجون فيه لرسالة طمأنه لعموم الجماعات السلفية وبسطاء الشعب المتدين بطبعه. فيلعبون بورقة ده مرسي "ولّا" المرشد, ده الحزب "ولّا" الجماعة .. لأ ده الحزب .. لأ ده الجماعة !
تدرك الأصابع المرتعشة التي كتبت هذا البيان أن الورقة الوحيدة التي تبقت في قبعة الساحر المحتال هي ورقة العاطفة الدينية. فلا كلام عن الفقر أو الحريات سيرفع أسهم الجماعة والحزب التي تتهاوى في كل يوم يمر يتضح فيه فشلهم في سدة الحكم.
يدرك الإخوان جيدا مدى وعي الشعب بفضيحة فشل مرسي في تحقيق وعود ال100 يوم, كما يدركون جيداً عدم قدرتهم على السيطرة على أي أزمة اقتصادية تضرب البلاد, وأن كل حلولهم تنحصر في كلمة واحدة .. "قرض خارجي".



اللي مالوش عدو يشتريله عدو

يختتم الإخوان المسلمين البيان بشكوى مُرّة من "الحملة الغير منصفه" التي " تستهدف الهوية الإسلامية لمصر، وتحاول إيقاف العمل للانتهاء من الدستور الذي سيحقق الاستقرار وقيام المؤسسات في البلاد؛ ما سيترتب عليه إعاقة عملية التحول الديمقراطي وعملية التنمية", في أسلوب رخيص, تلقي فيه باللوم على هؤلاء "الكفره العلمانيين" في كل التأخير والتقصير الحاصل في عملية التنمية. فهم الذين يعوقون "الاستقرار" ويعرقلون "التنمية" ويوقفون "التحول الديموقراطي".
ثم يزايدون على هؤلاء الذين "يعترضون لمجرد الإعتراض" وينصحونهم بتغليب المصلحة العليا للوطن "ذو الهوية الاسلامية".
ويبدو أن الإخوان المسلمين لا يشاهدون تلفازا او يدخلون للانترنت, فيكفيهم بضغطة زر واحدة أن يجدوا آلاف الصفحات من المقترحات الجادة والحقيقية لدستور يضمن للمواطن حريته وسبل عيشه وكرامته. بداية من مشاريع الدساتير التي قدمتها أحزاب كالدستور والتحالف الشعبي الاشتراكي, وليس انتهاء بالمحاولات الجماعية والفردية لأساتذة قانون وعلم اجتماع, إلا أن الاخوان لا يشغل بالهم سوى الحفاظ على الكرسي, والطريق الوحيد لذلك هو دغدغة مشاعر الانتماء الديني عند بسطاء المسلمين, ومداعبة الحس الراديكالي لدى الجماعات السلفية, بادعاء محاربة عدو وهمي أطلقت عليه اسم "الحملة الغير منصفة".
في الحقيقة اتعجب بشدة أن وجدت جماعة الإخوان المسلمين وقتا لكتابة بيان عن يدافع عن الهوية الإسلامية لمصر, كنت أظنهم مشغولين بكتابة خطابات الحب والإعزاز لبيريز, بالإضافة للوقت الذي يجدونه في حملة هدم انفاق غزة القائمة على قدم وساق!

___________________________________________________________
*العنوان مقتبس من عنوان كتاب ابن رشد "تهافت التهافت" ردا على كتاب الغزّالي "تهافت الفلاسفة"
د. أحمد الغيطي